فصل: تفسير الآيات (51- 54):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم



.تفسير الآيات (42- 44):

{لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (42) مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ (43) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آَذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (44)}
وقولُه تعالى: {لاَّ يَأْتِيهِ الباطل مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ} أي لا يتطرقُ إليه الباطلُ من جهةٍ من الجهاتِ. صفةٌ أُخرى يديهِ لكتابٌ. وقولُه تعالَى: {تَنزِيلٌ مّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ، أو صفةٌ أُخرى لكتابٌ مفيدةٌ لفخامتهِ الإضافيةِ كما أن الصفتينِ السابقتينِ مفيدتانِ لفخامتِه الذاتيةِ. وقولُه تعالَى: لا يأتيه إلخ اعتراضٌ عندَ من لا يجوزُ تقديمَ غير الصريحِ من الصفاتِ على الصريح، كلُّ ذلكَ لتأكيد بطلانِ الكفرِ بالقرآنِ. وقوله تعالى: {مَّا يُقَالُ لَكَ} إلخ تسليةٌ لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم عَّما يصيبُه من أذيةِ الكفار أي ما يُقالُ في شأنك وشأنِ ما أُنزلَ إليكَ منَ القُرآن من جهةِ كفارِ قومِك {إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ} أي إلا ما قد قيلَ في حقِّهم مما لا خيرَ فيه: {إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةَ} لأنبيائِه {وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ} لأعدائِهم وقد نصرَ مَنْ قبلكَ من الرسلِ وانتقمَ من أعدائِهم وسيفعلُ مثلَ ذلكَ بكَ وبأعدائِك أيضاً. {وَلَوْ جعلناه قُرْءاناً أعْجَمِيّاً} جوابٌ لقولِهم: هَلاَّ أُنزلَ القرآنُ بلغةِ العجمِ، والضميرُ للذكرِ {لَّقَالُواْ لَوْلاَ فُصّلَتْ ءاياته} أي بينتْ بلسانٍ نفقهُه. وقولُه تعالى: {ءاعْجَمِىٌّ وَعَرَبِىٌّ} إنكارٌ مقررٌ للتحضيضِ. والأعجميُّ يُقالُ لكلامٍ لا يُفهمُ، وللمتكلمِ بهِ. والياءُ للمبالغةِ في الوصفِ كأحمريَ، والمَعْنى أكلامٌ أعجميٌّ ورسولٌ أو مرسلٌ إليه عربيٌّ على أن الإفرادَ مَعَ كونِ المرسلِ إليهمْ أمةً جمةً لما أنَّ المرادَ بيانُ التنافِي والتنافُرِ بينَ الكلامِ وبينَ المُخاطَبِ بهِ لا بيانُ كونِ المخاطبِ واحداً أو جمعاً. وقرئ: {أعَجميٌّ} أيْ أكلامٌ منسوبٌ إلى أمةِ العجمِ. وقرئ: {أعجميٌّ} علَى الإِخبارِ بأنَّ القرآنَ أعجميٌّ والمتكلمُ والمخاطَبُ عربيٌّ ويجوزُ أن يرادَ هَلاَّ فصِّلتْ آياتُه فجعلَ بعضُها أعجمياً لإفهامِ العجمِ وبعضُها عربياً لإفهامِ العربِ وأيَاً ما كانَ فالمقصودُ بيانُ أنَّ آياتِ الله تعالَى على أي وجهٍ جاءتُهم وجدُوا فيها متعنتاً يتعللونَ به. {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ هُدًى} يهديهِمْ إلى الحقِّ {وَشِفَاء} لَما في الصدورِ منْ شكَ وشُبهةٍ {والذين لاَ يُؤْمِنُونَ} مبتدأٌّ خبرُه {فِى ءَاذَانِهِم وَقْرٌ} على أن التقدير هُو أي القرآنُ في آذانِهم وَقْرٌ على أنَّ وقرٌ خبرٌ للضمير المقدرِ، وفي آذانِهم متعلقٌ بمحذوفٍ وقعَ حالاً من وقرٌ وهُو أوفقُ لقولِه تعالى: {وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى} وقيلَ: خبرُ الموصولِ في آذانِهم ووَقْرٌ فاعلُ الظرفِ وقيلَ: وقرٌ مبتدأٌ والظرفُ خبرُهُ والجملةُ خبرٌ للموصولِ وقيلَ: التقديرُ والذينَ لا يؤمنونَ في آذانِهم منْهُ وقرٌ، ومن جوَّزَ العطفَ على عاملينِ عطفَ الموصولَ على الموصولِ الأولِ أي هُو للأولينَ هُدى وشفاءٌ وللآخرينَ وقرٌ في آذانِهم {أولئك} إشارةٌ إلى الموصولِ الثانِي باعتبارِ اتصافِه بما في حيزِ صلتِه وملاحظة ما أُثبتَ لهُ، وما فيهِ منْ مَعنى العبدِ مع قُربِ العهدِ بالمشارِ إليهِ للإيذانِ ببعدِ منزلتِه في الشرِّ معَ ما فيه من كمالِ المناسبةِ للنداءِ من بعيدٍ أي أولئكَ البُعداءُ الموصوفونَ بما ذكرَ من التصامِّ عن الحقِّ الذي يسمعُونَهُ والتعامِي عن الآياتِ الظاهرةِ التي يشاهدونَها {يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ} تمثيلٌ لهم في عدمِ قبولِهم واستماعِهم له بمنْ ينادى من مسافةٍ نائيةٍ لا يكادُ يَسمعُ من مثلِها الأصواتِ.

.تفسير الآيات (45- 47):

{وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (45) مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (46) إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آَذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ (47)}
{وَلَقَدْ ءاتَيْنَا موسى الكتاب فاختلف فِيهِ} كلامٌ مستأنفٌ مسوقٌ لبيانِ أن الاختلافَ في شأنِ الكتبِ عادةٌ قديمةٌ للأممٍ غيرُ مختصَ بقومكَ على منهاجِ قولِه تعالى: {مَّا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ} أيْ وبالله لقد آتينَاه التوراةَ فاختُلفَ فيها فمن مصدقٍ لها ومكذبٍ وهكذا حالُ قومكَ في شأنِ ما آتيناكَ من القرآنِ فمن مؤمنٍ به وكافرٍ. {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبّكَ} في حقِّ أمتكَ المكذبةِ وهي العِدَةُ بتأخيرِ عذابِهم وفصلُ ما بينهم وبينَ المؤمنينَ من الخصومةِ إلى يومِ القيامةِ بنحو قوله تعالى: {بَلِ الساعة مَوْعِدُهُمْ} وقولِه تعالى: {ولكن يُؤَخِرُهُمْ إلى أَجَلٍ مسمى} {لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ} باستئصالِ المكذبينَ كما فعلَ بمكذِبي الأممِ السالفةِ {وَإِنَّهُمْ} أي كفارُ قومِكَ {لَفِى شَكّ مّنْهُ مُرِيبٍ} أي من القرآنِ، وَجَعْلُ الضميرِ الأولِ لليهودِ والثانِي للتوراةِ مما لا وجْهَ لَهُ. {مَّنْ عَمِلَ صالحا} بأنْ آمنَ بالكتبِ وعملَ بموجِبها {فَلِنَفْسِهِ} أي فلنفسِه يعملُه أو فنفعُه لنفسه لا لغيرِه {وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا} ضررُه لا على غيرِه {وَمَا رَبُّكَ بظلام لّلْعَبِيدِ} اعتراضٌ تذييليٌّ مقررٌ لمضمونِ ما قبلَهُ مبنيٌّ على تنزيلِ تركِ إثابةِ المحسنِ بعملِه أو إثابةِ الغيرِ بعملِه وتنزيلِ التعذيبِ بغير إساءةٍ أو بإساءةِ غيرِه منزلةَ الظلمِ الذي يستحيلُ صدورُه عنه سبحانَهُ وتعالَى وقد مرَّ ما في المقامِ من التحقيقِ والتفصيلِ في سورةِ آل عمرانَ وسورةِ الأنفالِ. {إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ الساعة} أي إذا سئلَ عنها يقالُ الله يعلمُ أو لا يعلمُها إلا الله تعالى {وَمَا تَخْرُجُ مِن ثمرات مّنْ أَكْمَامِهَا} أي من أوعيتِها جمعُ كِمٍ بالكسرِ وهُو وعاءُ الثمرةِ كَجُفِّ الطلعةِ. وقرئ: {من ثمرةٍ} على إرادةِ الجنسِ والجمعُ لاختلافِ الأنواعَ. وقد قرئ بجمعِ الضميرِ أيضاً، ومَا نافيةٌ ومِنْ الأُولى مزيدةٌ للاستغراقِ، واحتمالُ أَنْ تكَونَ مَا موصولةً معطوفةً على الساعةِ ومِنْ مبينةً بعيدٌ {وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أنثى وَلاَ تَضَعُ} أي حَملَها. وقوله تعالى: {إِلاَّ بِعِلْمِهِ} استثناءٌ مفرغٌ من أعمِّ الأحوالِ أيْ وما يحدثُ شيىء من خروجِ ثمرةٍ ولا حملِ حاملٍ ولا وضعِ واضعٍ ملابساً بشيءٍ من الأشياءِ إلا ملابساً بعلمهِ المحيطِ {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِى} أي بزعمِكم كما نصَّ عليه في قولِه تعالى: {نَادُواْ شُرَكَائِىَ الذين زَعَمْتُمْ} وفيهِ تهكمٌ بهِم وتقريعٌ لَهُم ويومَ منصوبٌ باذكُرْ أو ظرفٌ لمضمرٍ مؤخرٍ قد تُرك إيذاناً بقصورِ البيانِ عنْه كما مرَّ في قولِه تعالى: {يَوْمَ يَجْمَعُ الله الرسل} {قَالُواْ ءاذَنَّاكَ} أي أخبرناكَ {مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ} لهم بالشركةِ إذ تبرأنَا منهم لَمَّا عاينَّا الحالَ وما منا أحدٌ إلا وهو موحدٌ لكَ، أو ما منا من أحدٍ يشاهدُهم لأنهم ضلُّوا عنهُم حينئذٍ وقيلَ: هو قولُ الشركاءِ أي ما منَّا من شهيدُ لهم بأنَّهم كانُوا محقِّينَ. وقولُهم آذناكَ إما لأنَّ هذا التوبيخَ مسبوقٌ بتوبيخٍ آخر مجابٍ عْنُه بهذا الجوابِ أو لأنَّ معناهُ أنك علمتَ من قلوبِنا وعقائدِنا الآنَ أنا لا نشهدُ تلكَ الشهادةَ الباطلةَ لأنَّه إذا علمَهُ من نفوسِهم فكأنَّهم أعلمُوه، أو لأنَّ معناهُ الإنشاءُ لا الإخبارُ بإيذانٍ قد كانَ قبلَ ذلكَ.

.تفسير الآيات (48- 50):

{وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (48) لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ (49) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (50)}
{وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَدْعُونَ} أي يعبدونَ {مِن قَبْلُ} أي غابُوا عنُهم أو ظهر عدمُ نفعِهم فكانَ حضورُهم كغَيبتهم {وَظَنُّواْ} أي أيقنُوا {مَا لَهُمْ مّن مَّحِيصٍ} مهربٍ والظنُّ معلقٌّ عنْه بحرفِ النفي. {لاَّ يَسْئَمُ الانسان} أي لا يملُّ ولا يفترُ {مِن دُعَاء الخير} من طلبِ السعةِ في النعمةِ وأسبابِ المعيشةِ وقرئ: {من دعاءٍ} بالخيرِ {وَإِن مَّسَّهُ الشر} أي العسرُ والضيقةُ {فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ} فيه مبالغةٌ من جهة البناءِ ومن جهةِ التكريرِ ومن جهةِ أن القنوطُ عبارةٌ عن يأسٍ مفرطٍ يظهرُ أثرُه في الشخصِ فيتضاءلُ وينكسرُ أي مبالغٌ في قطعِ الرجاءِ من فضلِ الله تعالَى ورحمتِه، وهذا وصفٌ للجنسِ بوصفِ غالبِ أفرادِه لما أنَّ اليأسَ من رحمتِه تعالى لا يتأتَّى إلا من الكافرِ وسيصرحُ به {وَلَئِنْ أذقناه رَحْمَةً مّنَّا مِن بَعْدِ ضَرَّاء مَسَّتْهُ} بتفريجِها عنْهُ {لَيَقُولَنَّ هذا لِى} أي حَقِّي أستحقُّه لما لِي من الفضلِ والعملِ أو لي لا لغَيري فَلاَ يزولَ عنِّي أبداً {وَمَا أَظُنُّ الساعة قَائِمَةً} أي تقومُ فيما سيأتي {وَلَئِن رُّجّعْتُ إلى رَبّى} على تقديرِ قيامِها {إِنَّ لِى عِندَهُ للحسنى} أي للحالةَ الحُسنى من الكرامةِ وذلك لاعتقادِه أن ما أصابَهُ من نعمِ الدنيا لا ستحقاقِه له وأنَّ نعمَ الآخرةِ كذلكَ {فَلَنُنَبّئَنَّ الذين كَفَرُواْ بِمَا عَمِلُواْ} أي لنعلمنَّهم بحقيقةِ أعمالِهم حينَ أظهرناهَا بصورةِ الحقيقيةِ وقد مرَّ تحقيقُه في الأعرافِ عند قولِه تعالى: {والوزن يَوْمَئِذٍ الحق} وفي قولِه تعالَى: {إِنَّمَا بَغْيُكُمْ على أَنفُسِكُمْ} من سورةِ يونس {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ} لا يُقادرُ قدُره ولا يُبلغ كُنهه.

.تفسير الآيات (51- 54):

{وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ (51) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (52) سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (53) أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ (54)}
{وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإنسان أَعْرَضَ} أي عنِ الشكرِ {وَنَأَى بِجَانِبِهِ} أي ذهبَ بنفسِه وتباعدَ بكليتِه تكبيراً وتعظيماً والجانبُ مجازٌ عن النفسِ كما في قولِه تعالَى: {فِى جَنبِ الله} ويجوزُ أن يرادَ به عِطْفُه ويكونَ عبارةً عن الانحرافِ والازورارِ كما قالُوا: «ثَنَى عِطْفَةُ وتولَّى بركنِه»: {وَإِذَا مَسَّهُ الشر فَذُو دُعَاء عَرِيضٍ} أي كثيرٍ مستعارٌ مما لَه عَرْضٌ متسعٌ للإشعارِ بكثرتِه واستمرارِه وهو أبلغُ من الطويلُ إذ الطول أطولُ الامتدادينِ فإذا كان عرضُه كذلكَ فما ظنُّك بطولِه. ولعلَّ هذا شأنُ بعضٍ غيرِ البعضِ الذي حُكِيَ عنه اليأسُ والقنوطُ أو شأنُ الكلِّ في بعضِ الأوقاتِ.
{قُلْ أَرَءَيْتُمْ} أي أخبرونِي {إِن كَانَ} أي القرآنُ {مِنْ عِندِ الله ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ} مع تعاضدِ موجباتِ الإيمانِ به {مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ} أي من أضلُّ منكُم، فوضعَ الموصولَ موضعَ الضميرِ شرحاً لحالهِم وتعليلاً لمزيدِ ضلالِهم {سَنُرِيهِمْ ءاياتنا} الدالَة على حقّيته وكونِه من عندِ الله {فِى الأفاق} هو ما أخبرهم به النبي صلى الله عليه وسلم من الحوادثِ الآتيةِ وآثارِ النوازلِ الماضيةِ وما يسرّ الله تعالَى له ولخلفائِه من الفتوحِ والظهورِ على آفاقِ الدنيا والاستيلاءِ على بلادِ المشارقِ والمغاربِ على وجةٍ خارقٍ للعادةِ {وَفِى أَنفُسِهِمْ} هو ما ظهرَ فيما بينَ أهلِ مكةَ وما حلَّ بهم وقال ابنُ عباسٍ رضي الله عنهما في الآفاق أي منازلِ الأممِ الخاليةِ وآثارِهم وفي أنفسِهم يومُ بدرٍ وقال مجاهدٌ والحسنُ والسُدِّيُّ في الآفاقِ ما يفتحُ الله من القُرَى عليهِ عليه الصلاةُ والسلامُ والمسلمينَ وفي أنفسِهم فتحُ مكةَ وقيلَ: في الآفاقِ أي في أقطار السمواتِ والأرضِ من الشمسِ والقمرِ والنجومِ وما يترتبُ عليها من الليلِ والنهارِ والأضواءِ والظلالِ والظلماتِ ومن النباتِ والأشجارِ والأنهارِ وفي أنفسهم من لطيفِ الصنعة وبديعِ الحكمةِ في تكوينِ الأجنةِ في ظلماتِ الأرحامِ وحدوثِ الأعضاءِ العجيبةِ والتركيباتِ الغريبةِ كقولِه تعالى: {وَفِى أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ} واعتذرَ بأنَّ معنَى السينِ مع أنَّ إراءةَ تلك الآياتِ قد حصلتْ قبلَ ذلكَ أنه تعالَى سيطلعُهم على تلك الآياتِ زماناً فزماناٍ ويزيدُهم وقوفاً على حقائِقِها يوماً فيوماً {حتى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ} بذلكَ {أَنَّهُ الحق} أي القرآنُ أو الإسلامُ والتوحيدُ.
{أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبّكَ} استئنافٌ واردٌ لتوبيخهِم عَلى ترددهم في شأنِ القرآنِ وعنادِهم المُحوجِ إلى إراءةِ الآياتِ وعدمِ اكتفائِهم بإخبارِه تعالَى، والهمزةُ للإنكارِ، والواوُ للعطفِ عَلى مقدرَ يقتضيِه المقامُ أيْ ألَمْ يغنِ ولم يكفِ ربُّكَ والباءُ مزيدةٌ لتأكيدِ ولاَ تكادُ تزاد إلا معَ كَفَى. وقولُه تعالى: {أَنَّهُ على كُلّ شيء شَهِيدٌ} بدلٌ منهُ أيْ أَلَم يُغنِهم عن إراءةِ الآياتِ الموعودةِ المبينةِ لحقيةِ القُرانِ ولم يكفهم في ذلكَ أنه تعالَى شهيدٌ على جميعِ الأشياءِ، وقد أخبرَ بأنَّه منْ عندِه وقيلَ: معناهُ أنَّ هَذا الموعودَ من إظهارِ آياتِ الله في الآفاقِ وفي أنفسِهم سيرونَهُ ويشاهدونَهُ فيتبينونَ عند ذلكَ أنَّ القرآنَ تنزيلُ عالمِ الغيبِ الذي هُو عَلى كلِّ شيءٍ شهيدَّ أي مطّلعٌ يستوِي عندَهُ غيبُه وشهادتُه فيكفيهم ذلك دليلاً على أنه حقٌّ وأنَّه منْ عندِه ولو لم يكُن كذلكَ لما قُوِيَ هذه القوةَ ولما نُصرَ حاملُوه هذهِ النُصرةَ فتأملُ.
وأما ما قيلَ: من أنَّ المَعنى أَوَلَم يكفكَ أنِه تعالَى على كُلِّ شيءٍ شهيدٌ محققٌ له فيحققَ أمرَكَ بإظهارِ الآياتِ الموعودةِ كما حققَ سائرَ الأشياءِ الموعودةِ فمع إشعارِه بما لا يليقُ بجلالةِ منصبِه عليه السلامُ من الترددِ فيما ذكر من تحقيق الموعودِ يرده قولُه تعالى: {أَلاَ إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مّن لّقَاء رَبّهِمْ} أي في شكَ عظيمٍ منْ ذلكَ بالبعثِ والجزاءِ فإنه صريحٌ في أن عدمَ الكفايةِ معتبرٌ بالنسبةِ إليهم وقرئ: {مُريةٍ} بالضمِّ وهُو لُغةٌ فيها {أَلاَ إِنَّهُ بِكُلّ شيء مُّحِيطُ} عالمٌ بجميع الأشياءِ جُمَلِها وتفاصيلِها وظواهرِها وبواطنِها فلا تَخْفى عليها خافيةٌ منهم وهو مجازيهُمْ على كُفرِهم ومريتِهم لا محالةَ.
عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قرأَ سورةَ فصلت أعطاهُ الله تعالَى بكُلِّ حرفٍ عشرَ حسناتٍ» والله أعلمُ.

.سورة الشورى:

.تفسير الآيات (1- 3):

{حم (1) عسق (2) كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (3)}
{حم عسق} اسمانِ للسورةِ، ولذلكَ فصِلَ بينهما. وعُدَّا آيتينِ، وقيلَ: اسمٌ واحدٌ والفصلُ ليناسبَ سائرَ الحواميمِ. وقرئ: {حم سق}. فعلى الأولِ هُما خبرانِ لمبتدأٍ محذوفٍ، وقيلَ: حم مبتدأٌ وعسق خبرُهُ وعَلى الثَّانِي الكلُّ خبرٌ واحدٌ. وقولُه تعالَى: {كَذَلِكَ يُوحِى إِلَيْكَ وَإِلَى الذين مِن قَبْلِكَ الله العزيز الحكيم} كلامٌ مستأنفٌ واردٌ لتحقيق أنَّ مضمونَ السورةِ موافقٌ لما في تضاعيفِ سائرِ الكتبِ المنزَّلةِ على الرسلِ المتقدمةِ في الدعوةِ إلى التوحيدِ والإرشادِ إلى الحقِّ أو أنَّ إيحاءَهَا مثلُ إيحائِها بعدَ تنويهِها بذكرِ اسمِها والتنبيه على فخامةِ شأنها. والكافُ في حيزِ النصبِ على أنَّه مفعولٌ ليُوحِي عَلى الأولِ وعلى أنه نعتٌ لمصدرٍ مؤكدٍ لهُ على الثَّانِي وذلك على الأول إشارةٌ إلى ما فيها وعلى الثَّانِي إلى إيحائِها، وما فيه مِنْ مَعْنى البُعدِ للإيذانِ بعلوِّ رتبة المشارِ إليه وبُعدِ منزلتِه في الفضل أي مثل ما في هذه السورةِ من المعانِي أُوحيَ إليكَ في سائر السورِ وإلى من قبلك من الرسلِ في كتبِهم، على أنَّ مناطَ المماثلةِ ما أُشيرَ إليه من الدعوة إلى التوحيد والإرشاد إلى الحق وما فيه صلاحُ العبادِ في المعاش والمعادِ، أو مثلَ إيحائِها أُوحيَ إليكَ عند إيحاءِ سائرِ السورِ وإلى سائرِ الرسلِ عند إيحاءِ كتبِهم إليهم لا إيحاءً مغايراً له كما في قوله تعالى: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إلى نُوحٍ} الآيةَ. على أنَّ مدارَ المْثليةِ كونُه بواسطةِ الملكِ. وصيغةُ المضارعِ على حكايةِ الحالِ الماضيةِ للإيذان باستمرارِ الوحي وأنَّ إيحاءَ مثلِه عادتُه. وفي جعلِ مضمونِ السورةِ أو إيحائها مشبهاً به من تفخيمِها مالا يخفى وكذا في وصفِه تعالَى بوصفي العزةَ والحكمةِ. وتأخيرُ الفاعلِ لمراعاةِ الفواصلِ مع ما فيهِ من التشويقِ. وقرئ: {يُوحَى}، على البناءِ للمفعولِ على أنَّ كذلكَ مبتدأٌ ويُوحَى خبره المسندُ إلى ضميرِه أو مصدرٍ، ويُوحَى مسندٌ إلى إليكَ والله مرتفعٌ بما دلَّ عليهِ يُوحَى كأنَّه قيلَ: مَنْ يُوحِي، فقيلَ الله. والعزيزُ الحكيمُ صفتان لهُ، أو مبتدأٌ كما في قراءةِ نُوحِي، والعزيزُ وما بعدَهُ خبرانِ له أو العزيرُ الحكيمُ صفتانِ له.